بسم الله الرحمن الرحيم
مع حصول حزب العدالة والتنمية التركى بقيادة رجب طيب على 47% من الأصوات فى الانتخابات البرلمانية التى جرت فى 22/7/2007م, وهو ما يعنى الحصول على 341 مقعداً من مقاعد البرلمان؛ يمكن القول: إن العلمانية التركية المتوحشة دخلت مرحلة الأفول ولو مؤقتا لظروف قطعاً خارجة عن إرادتها. والسؤال الهام الآن هل سيقف العسكر مكتوفى الأيدى؟ وهل نحن بصدد انقلاب عسكرى جديد يطيح بالتجربة الديمقراطية برمتها؟ قد يستغرب البعض هذا السؤال؛ ولذلك ندعوه إلى التعرف على العلمانية التركية المتوحشة.
العلمانية التركية المتوحشة: والعلمانية المتوحشة هى تلك التى لا تكتفى بفصل الدين عن الدولة وحصره فى علاقة الإنسان بربه, إنما تهدف إلي إبعاد الدين عن الحياة والإنسان أيضاً, مستخدمة فى ذلك كل وسائل القهر والتسلط لتحقيق هذا الهدف, وأحسب أن تركيا عاشت منذ عام 1924م هذا النموذج على يد مصطفى كمال أتاتورك الذى أعلن إلغاء الخلافة الإسلامية ثم اتخذ مجموعة إجراءات لترسيخ تلك العلمانية المتوحشة بدءًا من أزياء الرجال والنساء لتوافق النمط الغربى ومروراً بإلغاء اللغة العربية كلغة رسمية وترديد الإنسان اللغة التركية, وجعل الجيش التركى مسؤلاً عن حماية العلمانية من أى خطر يهدد وجودها. وظلت مقاومة الشعب التركى للديكتاتورية مستمرة ومتزايدة للحفاظ على الهوية الإسلامية وفى كل مرة كان الشعب ينجح فى تأكيد اختياره للإسلام كعامل فاعل فى بناء و توجيه المجتمع كان الجيش التركى يتدخل لإعادة الأمور لنصابها وفقاً للوصية الأتاتوركية. ويكفى أن نتذكر إعدام عدنان مندريس رئيس وزراء تركيا فى مطلع الستينات من القرن الماضى عندما أراد العودة بتركيا إلى أصولها الإسلامية, ويكفى أن نتذكر الانقلابات العسكرية التى رافقت كل مرة يحصل فيها حزب نجم الدين أربكان الإسلامى على عدد من المقاعد فى البرلمان تؤهله للمشاركة فى الحكومة الائتلافية, والتى وصلت في المرة الأخيرة سنة 1997م إلى إجباره على ترك منصب رئيس الوزراء, ثم تم تحويله إلى المدعى العام الذى أمر بمحاكمته وصدر حكم عليه بالعزل السياسى لمدة خمس سنوات ثم كان الشد والجذب مع حزب العدالة والتنمية على خلفية مشاركة رجب طيب أردوغان فى الانتخابات النيابية قبل الماضية, وعلى حجاب زوجة رئيس الوزراء, وعلى قانون تجريم الدعارة, وأخيراً على خلفية ترشيح حزب العدالة لعبد الله رئيساً للجمهورية؛ وهو ما أدى فى نهاية الأمر إلى اللجوء لإجراء انتخابات مبكرة؛ لإقرار قانون جديد ليتيح انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب مباشرة بدلاً من البرلمان.
لكن لماذا لم يتدخل العسكر هذه المرة؟ نعود الآن إلى الإجابة عن السؤال: هل نحن بصدد انقلاب عسكرى جديد؟
فى تقديرى أن الجيش التركى اليوم لن يقدم على تلك الخطوة انطلاقاً من المثل الشهير: مكره أخاك لا بطل, ومرد ذلك إلى سببين: أحدهما داخلى والآخر خارجى وهو فى تقديرى الأهم.
أما السبب الداخلى: فينبع من النجاحات التى حققها حزب العدالة والتنمية على مستويات عدة اقتصادية واجتماعية وأمنية فى الملف الكردى, ويكفى أن نذكر أن البنك المركزى التركى أعلن بعد عدة أيام من الانتخابات أن تركيا أصبحت لا تحتاج إلى قروض صندوق النقد الدولى والبنك الدولى, وذلك فى ظل ارتفاع قيمة الليرة التركية وانتعاش البورصة بشكل غير مسبوق وهو ما وفر للحزب شعبية غير مسبوقة يصعب على العسكر تجاهلها.
أما السبب الخارجى: وهو الأهم: فيعبر عنه الترحيب الصادر من أمريكا والاتحاد الأوروبى والفاتيكان الذى اعتبر أحد المسئولين نسبة نتيجة الانتخابات الأخيرة هى الأفضل بالنسبة للعالم وتركيا وهذا كله يعبر عن أمرين يمثلان قيداً على قيادة الجيش التركى فى التحرك ضد هذه النتائج, وهذان الأمران هما:
1ـ التأثير السلبى على فرصة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربى إذا ما حدث انقلاب عسكرى.
2ـ تفضيل ودعم أمريكا لنموذج حزب العدالة والتنمية كنموذج للأحزاب الإسلامية التى تصالحت مع العلمانية, وهو نموذج ترغب أمريكا فى الترويج له فى العالم الإسلامى فى إطار ما عرف بخطة "تتريك العالم الإسلامي"؛ ومن ثم فإن أمريكا ستقف بقوة فى وجه أى تحرك انقلابى يفسد خطتها.
وبناء على ما سبق يمكن القول: إن العلمانية التركية المتوحشة لم تهزم هزيمة ساحقة ولكنها دخلت مرحلة الأفول المؤقت.
"شكرا لك":
*